محمد بن جرير الطبري

40

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فقال : " اذهبا فإنكما ستجدن امرأة بمكان كذا وكذا ، فأتيا بكتاب معها " ، فانطلقا حتى أدركاها ، فقالا : الكتاب الذي معك ، قالت : ليس معي كتاب ، فقالا : والله لا ندع معك شيئا إلا فتشناه ، أو تخرجينه ، قالت : أو لستم مسلمين ؟ قالا : بلى ، ولكن النبي قد أخبرنا أن معك كتابا قد أيقنت أنفسنا أنه معك ؛ فلما رأت جدهما أخرجت كتابا من بين قرونها ، فذهبا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى كفار قريش ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " أنت كتبت هذا الكتاب ؟ " قال : نعم ، قال : " ما حملك على ذلك ؟ " قال : أما والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت ، ولكني كنت امرأ غريبا فيكم أيها الحي من قريش ، وكان لي بمكة مال وبنون ، فأردت أن أدفع بذلك عنهم ، فقال عمر رضي الله عنه : ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " مهلا يا ابن الخطاب ، وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فأني غافر لكم " قال الزهري : فيه نزلت حتى غَفُورٌ رَحِيمٌ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ إلى قوله بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ، ومن معه كفار قريش يحذرهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ حتى بلغ سَواءَ السَّبِيلِ : ذكر لنا أن حاطبا كتب إلى أهل مكة يخبرهم سير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم زمن الحديبية ، فأطلع الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك ، وذكر لنا أنهم وجدوا الكتاب مع امرأة في قرن من رأسها ، فدعاه نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما حملك على الذي صنعت ؟ " قال : والله ما شككت في أمر الله ، ولا ارتددت فيه ، ولكن لي هناك أهلا ومالا ، فأردت مصانعة قريش على أهلي ومالي . وذكر لنا أنه كان حليفا لقريش لم يكن من أنفسهم ، فأنزل الله عز وجل في ذلك القرآن ، فقال : إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً . . . لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ . . . بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يقول تعالى ذكره : إن يثقفكم هؤلاء الذين تسرون أيها المؤمنون إليهم بالمودة ، يكونوا لكم حربا وأعداء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتال وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وقوله : وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ يقول : وتمنوا لكم أن تكفروا بربكم ، فتكونوا على مثل الذي هم عليه . قوله : لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقول تعالى ذكره : لا يدعونكم أرحامكم وقراباتكم وأولادكم إلى الكفر بالله ، واتخاذ أعدائه أولياء تلقون إليهم بالمودة . فإنه لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم عند الله يوم القيامة ، فتدفع عنكم عذاب الله يومئذ ، إن أنتم عصيتموه في الدنيا ، وكفرتم به . وقوله : يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ يقول جل ثناؤه : يفصل ربكم أيها المؤمنون بينكم يوم القيامة بأن يدخل أهل طاعته الجنة ، وأهل معاصية والكفر به النار . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة ومكة والبصرة : " يفصل بينكم " بضم الياء وتخفيف الصاد وفتحها ، على ما لم يسم فاعله . وقرأه عامة قراء الكوفة خلا عاصم بضم الياء وتشديد الصاد وكسرها بمعنى : يفصل الله بينكم أيها القوم . وقرأه عاصم بفتح الياء وتخفيف الصاد وكسرها ، بمعنى يفصل الله بينكم .